محمد سعيد رمضان البوطي
207
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
والحديث الذي ذكرناه في هذا صريح بجواز العزل . فقد قال لهم حينما استفتوه في ذلك : « ما عليكم أن لا تفعلوا » ، ( وفي رواية مسلم : لا عليكم أن لا تفعلوا ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة ) . أي ليس عليكم أن تتركوا العزل ، لأن ما قد قدر اللّه واقع لا ريب فيه ، فلا يمكن أن يمتنع المقدر بعملكم . وأصرح من هذا الحديث ما رواه الشيخان عن جابر رضي اللّه عنه أنه قال : « كنا نعزل على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم والقرآن ينزل » . وقد ذهب جمهور الأئمة بناء على هذا إلى جواز ممارسة العزل ، ولكنهم اشترطوا لذلك موافقة الزوجة ، لما قد يكون من الضرر بها ، غير أنه يكره ذلك إذا كان سببه خشية النفقة وقلة ذات اليد . وخالف ابن حزم الجمهور ، فذهب إلى حرمة العزل مطلقا ، مستدلا بما رواه مسلم أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم سئل عن العزل ، فقال : « ذلك الوأد الخفي » ، واستدل بأحاديث أخرى كلها موقوفة على الصحابة . فمن ذلك ما رواه بسنده عن نافع أن ابن عمر كان لا يعزل ، وقال : « لو علمت أحدا من ولدي يعزل لنكلته » . ومنه ما رواه من طريق الحجاج بن المنهال أن علي بن أبي طالب كان يكره العزل . وأجاب ابن حزم عن حديث جابر الذي استدل به الجمهور بأنه منسوخ « 62 » . وذكر ابن حجر في فتح الباري رأي ابن حزم هذا ثم قال : « وهذا معارض بحديثين أحدهما أخرجه الترمذي والنسائي وصححه من طريق معمر عن يحيى بن كثير . . عن جابر قال : « كانت لنا جواري وكنا نعزل ، فقالت اليهود : إن تلك الموؤودة الصغرى ، فسئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن ذلك فقال : كذبت اليهود ، لو أراد اللّه خلقه لم تستطع رده » ، قال : والحديث الثاني في النسائي من وجه آخر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة « 63 » . أقول : وواضح أن قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن العزل : « الوأد الخفي » ، لا يعني التحريم ، بل الأظهر أن يحمل كلامه هذا - على ضوء الأحاديث الثابتة الأخرى - على النهي التنزيهي كما ذهب إلى ذلك الجمهور . ودعوى ابن حزم أن الأحاديث المبيحة للعزل منسوخة ، يردّها ما رواه الستة خلا أبا داود من حديث جابر : « كنا نعزل على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم والقرآن ينزل » . زاد مسلم : « فبلغ ذلك نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فلم ينهنا فلولا أن حكم إباحة العزل ظل مستمرا إلى وفاته صلّى اللّه عليه وسلم ، لما قال جابر رضي اللّه عنه ذلك ، ولأوضح آخر ما استقر عليه الحكم الشرعي » .
--> ( 62 ) انظر المحلى لابن حزم : 10 / 87 ( 63 ) راجع فتح الباري : 9 / 245